عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

51

قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين

وهذا العلو الصوري يسمّى : علو المكان ، وأعلى المكانات الجنة وهي متفاوتة في العلو وأعلى درجاتها الوسيلة ، كما قد أخبر صلى اللّه عليه وسلم ، وأخبر أن اللّه وعده بها ، فهو صلى اللّه عليه وسلم مخصوص بصدى المكان الوجودي الصوري ، كما أنه مخصوص بعلو المكانة ؛ إذ لا أحد أعظم قدرا عند اللّه تعالى منه . كما قد أخبر في الحديث النبوي حيث يقول له الحق : « وخبأت لك شيئا عندي ، ولم أخبأها لنبيّ غيرك » « 1 » . ولهذا قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين رضي اللّه عنهم : أكمل اللّه الشرف لمحمد صلى اللّه عليه وسلم « 2 » على أهل السماوات والأرض .

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 454 ) ، ومسلم ( 4 / 2240 ) ، أبو داود ( 4 / 120 ) بنحوه . ( 2 ) قلت : ونذكر من صور التشريف الآتي : قال الشيخ أبو عبد اللّه المكيّ : ولهذا الاسم الكريم يعني محمدا إشارات لطيفة من حيث صورته ومادته : أي من جهة حروفه المادية ، ومن جهة هيئته الصورية . أما الأول : فلما اشتمل عليه في اعتبار حروفه من ميم الملكوت الأجلى ، وحاء الحياة والحفظ الذي به ، وفيه كتب العلم الأسنى ، وميم الملكوت الباطني في ميم الملك الظاهر ، ودال الدوام منه ، والاتصال الماحية لوهمي الانقطاع والانفصال . وأما الثاني : فإن صورة هذا الاسم على صورة الإنسان ؛ فالميم الأولى رأسه ، والحاء جناحاه ، والميم الثانية بطنه ، والدال رجلاه ، والإنسان صغير وكبير كما هو في مصطلح القوم انتهى . للعلماء في تفسير الملك والملكوت عبارات حاصلها أن الملك هو : التصرف في الأمور ، وفي تحقيقه كلام يطلب من محله ، والملكوت : عظم الملك ؛ لأنه مبالغة فيه كالرّهبوت ، ولهذا فسر الملك بعالم الشهادة ، والملكوت بعالم الغيب ، وهو عالم الأمر ، وقيل : الملك : ما يدرك بالحس ، والملكوت : ما لا يدرك به ، وذكر بعضهم عبارة أبسط من هذه فقال : عالم الملك : عالم الشهادة ، ويقال : عالم الخلق ، وهو عالم الأجسام والجسمانيات ، ويكون بقدرة اللّه تعالى بعضه من بعض ، وبتضمنه التغير ، وعالم الملكوت عالم الغيب ، ويقال له : عالم الأمر ، وهو عالم الأرواح والروحانيات ، وهو ما أوجده اللّه تعالى بالأمر الأزلي بلا تدريج ، وبقي على حالة واحدة من غير زيادة ولا نقصان ، والجبروت عالم الأسماء والصفات الإلهية ، يعني صفات العظمة والعلو ، وقيل : هو عالم بين العالمين يشبه أن يكون في الظاهر من عالم الملك ، فجبر بالقدرة الأزلية بما هو من عالم الملكوت . -